إدارة سجون الاحتلال.. حرب على الكتب وثقافة الأسرى


مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 9 يناير 2018 - 2:35 مساءً
إدارة سجون الاحتلال.. حرب على الكتب وثقافة الأسرى

القدس عاصمة فلسطين-رام الله-مكتب الاعلام-

ما الذي قد يخفيه إنسان مقيد داخل قلم أو ورقة؟ ما الذي يتخيله سجان فوق رأس إنسان أعزل، ليل نهار، ينصب كاميراته وأعين مراقبيه على جسده طيلة الوقت، حتى وهو نائم، ويحيطه بالجدران والأسلاك الشائكة والسلاح والكلاب البوليسية والطعام السيئ؟

لا مبرر للسجان سوى الخوف من حلم السجين، ورفض محاولته خلق حياة طبيعية بعيدا عن الأسلاك الشائكة والأوامر العسكرية القاهرة، والعدّ، والبوسطة، وانعدام الرعاية الصحية، والتضييق على زيارات الأهل والحرمان منها، والتفتيش والقمع والتنقلات التعسفية.. وغيرها من إجراءات الهزيمة التي يحاول فيها السجان ليّ ذراع الأسير وقتل روحه.

لم تمض أربعة أيام على اقتحام نحو 200 من عناصر القوات الخاصة التابعة لإدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي، لقسم 3 في سجن “هداريم”، واستيلائها على الدفاتر الخاصة بالأسرى، وثلاثة آلاف كتاب من مكتبة السجن، بحجة أنها لم تصدر إذنا خاصا بالدراسة والتعليم، حتى عادت تلك القوات أمس الاثنين، لتستولي على أكثر من 2000 بحث وكتاب دراسي للأسرى في معتقل “هداريم”، بادّعاء احتوائها على “قضايا أمنية”.

ويضم قسم 3 في سجن هداريم، عددا من القيادات السياسية والميدانية والعسكرية، ويتواجد فيه حاليا 60 أسيرا من حركة “فتح”، و25 من حركة “حماس”، و15 من “الجهاد الإسلامي”، إضافة إلى 10 من الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين.

وأكد الأسرى لمحامي نادي الأسير، الذي زار عددا منهم، أن هذه الخطوة تأتي لمواجهة مواصلتهم التعلّم والتعليم والحصول على الشهادات الجامعية، رغم اعتقالهم والحكم عليهم بالسجن المؤبد وسنوات طويلة.

وأوضح نادي الأسير أن معتقل “هداريم”، الذي يضمّ نحو 120 أسيراً؛ الوحيد الذي يتمكّن فيه بعض الأسرى من مواصلة التعليم العالي، ويقوم فيه أسرى من ذوي الشهادات العليا بتدريس زملائهم ومتابعة إعدادهم للأبحاث.

الكاتب والأسير السابق، وليد الهودلي، قال لـ”وفا”: الكتاب والمكتبة والنشاط الثقافي روح الأسير، وتعتبر استمرارا للنضال، خاصة لأولئك الذين كانت لهم أنشطتهم الثقافية، سياسية واجتماعية ومقاومة. في داخل السجن يتغير شكل المواجهة فتصبح ثقافية، في أن يتحول السجن الى مركز ثقافي، ليبني الأسير نفسه ويبني الآخرين، وينجز على صعيد الكتابة الابداعية، والكتاب هو الأساس للانطلاق، وهو الوسيلة، لهذا يُنظر إليه من قبل مصلحة السجون كعدو يجب محاربته والقضاء عليه.

وأضاف: في جميع الإضرابات عن الطعام في تاريخ الحركة الأسيرة، كان إدخال الكتب مطلبا مهما، ومصلحة السجون دائما تنقض على هذا الاستحقاق ودائما تحاول منع دخول كتب ومصادرة أخرى، والمماطلة في دخولها، وإغلاق مكتبات السجون، ومن السجون التي نجحت في إنشاء مكتبات ضخمة هي: عسقلان وهداريم، الذي تحول لجامعه فعلية، بسبب وجود قيادات بارزة فيه.

وتابع الهودلي: لمصادرة الكتب والتضييق على الثقافة في السجون اتجاهان: اتجاه يشعر السجين بقهر السجان ونوع من تضييق الخناق ومراكمة القيد فوق القيد ومصادرة للحرية وشعور بالمرارة، في المقابل شعور بالتحدي يقع على عاتق الأسرى بإعادة الاعتبار للسجون بوصفها رمزا للثقافة والتعليم.

وقال: في الثمانينيات شاع ما يعرف بـ “مثلث الرعب” وهو حركة تنقلات قامت بها إدارات السجون ضد الكفاءات والقيادات من الحركة الأسيرة، حيث كان يتم نقل الأسير الى سجن عسقلان لمدة ثلاثة أشهر، ثم نقله الى نفحة، ثم الى بئر السبع، وإعادته مجددا الى عسقلان، ما أدى إلى خلخلة البرنامج الثقافي، وحدّ من قدرة الكادر المثقف على منح ما عنده للأسرى الآخرين. وحين افتتح سجن هداريم في العام 1999، زُج بمعظم قيادات الحركة الأسيرة فيه، وهذا أدى أيضا إلى حرمان باقي السجون من الفعاليات الثقافية، إضافة إلى أنه لا يُسمح للأسرى بعقد النشاطات في ساحات الأقسام، فمصلحة السجون تتعامل مع الأسير كشخص معاقب، ويجب تفريغه من محتواه الإنساني والأخلاقي والثقافي والوطني، لكن العمل الثقافي هو الرد على هذه النظرة. وشخصيا صودرت لي رواية من ستمائة صفحة، كما صودر لي كتاب مدافن الأحياء وأعدت كتابته مرة ثانية، إضافة الى مصادرة آلاف الدفاتر والرسائل التي يخرجها الأسرى مع المُفرج عنهم، بعد التفتيش على الأبواب، ما اضطر الأسرى لاستخدام “الكبسولة” في إخراج ما يريدون من كتابات.

وفي دراسة منشورة في مجلة دراسات فلسطينية، بعنوان: ملامح من الحياة الثقافية والتعليمية للأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال في العقد الأخير، لعوني فارس: تعتبر مرحلة سبعينيات القرن الماضي من أهم المراحل التي مرت بها التجربة الاعتقالية على مر عقود، لأنها شهدت ميلاد مؤسسة الأسرى وإتمام بناء الوضع الداخلي للحركة الأسيرة ، وقد بقي تأثير هذا البناء في الحياة الاعتقالية، بما فيها الحياة الثقافية حتى يومنا هذا.

وعمدت إدارة سجون الاحتلال منذ بداية سبعينيات القرن الماضي إلى منع مختلف أشكال النشاطات الثقافية، وحرمت الأسرى من امتلاك ما يمكنهم من مزاولة الحد الأدنى منها، فكانوا ممنوعين من امتلاك الأقلام والأوراق والكتب، وكان مجرد اكتشاف برية قلم رصاص كفيلة بإنزال أشد العقوبات بحق الأسرى.

وفي المقابل، شرع الأسرى في تنفيذ خطوات نضالية ضد سياسات التجهيل التي اعتمدتها إدارة السجون، فتمكنوا من “تهريب” بعض أقلام الرصاص، وبدأوا بمزاولة أولى نشاطاتهم الثقافية.

ويروي الأسير المحرر عبد الرحيم أمين جابر، مستذكراً تلك المرحلة، فيقول:” كنت أقوم بتهريب قطع الأوراق التي كنت أكتب عليها جزءاً من يومياتي. كنت أهربها مع الأهل خلال الزيارة الشهرية. أما قطع الورق التي كنت استعملها فهي عبارة عن أوراق أغلفة عبوات اللبن والزبدة التي كانت تصرف لنا في وجبات الطعام، كنت أقوم بغسلها وتنشيفها بالهواء واستخدامها للكتابة، وأدوّن عليها الأحداث اليومية داخل المعتقل (…) كنت أكتب هذه الأحداث للتسلية والاحتفاظ بها كمذكرات، لكن بعد إلحاح الأصدقاء والرفاق وافقت على نشرها في كتاب أسميته “أبطال العودة”.

حقق الأسرى عدة إنجازات بعد سلسلة من الخطوات النضالية على رأسها الضراب عن الطعام، فإضراب سجن عسقلان في 5 يوليو/ تموز 1970، يعتبر أول نقطة تحول رئيسية في الحياة الثقافية داخل السجون، إذ تم على إثره إدخال الكتب التعليمية المدرسية، فضلاً عن عدد محدود من الكتب الثقافية الأخرى، وسمح بتداول كتاب واحد للغرفة الواحدة التي تحتوي على أكثر من عشرين أسيراً، لأسبوعين فقط. وكانت إدارة السجن تتحكم في نوعية الكتب.

ويذكر حاتم الشنار، وهو أسير محرر من مدينة نابلس، أن “الأسرى تناوبوا بحماس ورغبة على تلك الكتب، وتناوبوا بالدور على قراءتها حتى ساعات الليل على الضوء الضئيل المتسلل من ممرات الأقسام.”

كما خاض الأسرى في الفترة نفسها العديد من التجارب الثقافية والتعليمية، منها على سبيل المثال:

  • 1-إذاعة “صوت العاصفة” في سجن بئر السبع، التي كانت عبارة عن إذاعة يبثها الأسرى داخل غرفهم يومياً عبر بوق كرتوني، وتبدأ بالقرآن الكريم. فالمقدم يتلو الآيات الأولى من سورة الفتح، ثم النشيد الوطني “بلادي”، ثم عزف موسيقى، ثم نشرة الأخبار، فالتحليل السياسي، تليه أناشيد وقصائد شعرية، ثم بعض البرامج الثقافية والعروض المسرحية.
  • 2-المدرسة التعليمية في سجن نابلس، والتي أشرف عليها تيسير قبعة وعادل سمارة وآخرون، وكان هدفها إعطاء دروس في محو الأمية وصفوف دراسية متنوعة بما فيها الثانوية العامة (التوجيهي)، وقد تمكنت نضالات الأسرى السابقة من انتزاع حق التقدم إلى امتحان التوجيهي.
  • 3-إعداد مجلات ونشرات تعبر عن الرؤية السياسية والفكرية لمختلف التنظيمات الفلسطينية، منها مجلات “الثورة” و”العاصفة” و”الشرارة” و”الطريق” و”الهدف”، إلخ. وكانت توزع باليد وبشكل سري.
  • 4-افتتاح مكتبة عامة في كل سجن.
  • 5-تقديم امتحانات التوجيهي، وقد بدأ العمل بذلك في بعض السجون منذ سنة 1971.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، واصل الأسرى نضالهم لتطوير واقعهم الثقافي، فسمح بإدخال بعض الصحف الفلسطينية، بعد أن كانت توزع على الأسرى صحيفة “الأنباء” فقط، الناطقة بلسان إدارات السجون، وأخذ الأسرى إدخال الكتب على عاتقهم عبر الأهل، وبالتعاون مع الصليب الأحمر، حتى احتوت مكتبة سجن جنيد العامة في نابلس على 6000 كتاب أواخر الثمانينيات، كما أدخل بعض التحسينات إثر اضراب جنيد الشهير عام 1984 والتي أثرت بإيجابية في الواقع الثقافي، كالسماح بمذياع ترانزستور والتنقل بين الأقسام، وفي أواسط الثمانينيات كانت السجون قد خرّجت العديد من الكوادر في مختلف المجالات الفكرية والثقافية.

في تسعينيات القرن الماضي، اعتقل الاحتلال آلاف الفلسطينيين بحجة المشاركة في فعاليات الانتفاضة، وكان بينهم عدد كبير من المثقفين من أساتذة الجامعات والمعاهد الفلسطينية وخريجيها وطلابها، الأمر الذي أثر بشكل كبير في الحياة الاعتقالية وعلى رأسها التجربة الثقافية، وأدى السماح للأسرى بالانتساب للجامعة المفتوحة في تل أبيب، وذلك في اضراب سنة 1992، إلى مد الواقع الثقافي داخل السجون ببعد إضافي، كما ميز هذه المرحلة ازدياد عدد الأسرى الذين يكتبون في الصحف والمجلات المحلية.

ووفقا للدراسة، فإن هذا “الانتعاش الثقافي” تعرض لمرحلة جزر بفعل عدة عوامل، أولها: محاولة انقضاض إدارات السجون على مكتسبات الأسرى من خلال فرض المزيد من القوانين والعقوبات التي تحد من حركة الأسرى وفاعليتهم، والعامل الثاني كان اتفاق أوسلو الذي أدى توقيعه إلى شعور الأسرى بأن حريتهم باتت في متناول اليد، واعتقدوا أن لا داعي للالتزام بالبرنامج الجماعي اليوم، بما فيه النشاطات الثقافية، إضافة إلى الإفراج عن عدد من الكوادر والقيادات التنظيمية والثقافية، وشعور باقي الأسرى بالإحباط لعدم الافراج عنهم، وإعادة توزيعهم من جديد على السجون، وحالة عدم الاستقرار التي أوجدتها الأوضاع الجديدة، كل ذلك أثّر سلبا وبدرجة عالية على الحياة الثقافية داخل سجون الاحتلال.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مفوضية التعبئة والتنظيم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.