الجلسة السادسة

لماذا أنا فتح – البرنامج الأول

الواقع الفاسد

نشرة داخلية – لماذا أنا فتح

لقد اتسعت في الفترة الأخيرة قواعد حركتنا ولوحظ أن كثيراً من الأخوة أخذوا يطرحون أسئلة متعددة. يدل طرحها على قلة علم الكثيرين لمفهوم وخط حركة (فتح), بل أننا نستطيع القول بأن كثيراً من الأخوة عاجزين عن الوقوف في حفل عام ليتحدثوا بعمق وبأسلوب مقنع عن حركتنا, وهناك فئة أخرى يخيل لها بأننا في حركة (فتح) نخوض نضالاً (شجاعاً ولكن بائساً) وهذا مفهوم خاطئ جداً.

هذه ظاهرة خطيرة ومن هنا أتى اعداد هذه الدراسة التي سنلخص فيها الأسس الفكرية التي تنطلق منها حركتنا.

أولاً – الواقع الفاسد: كل دراسة للتاريخ تؤكد لنا أن هناك قانوناً عاماً تخضع له كل ثورة حدثت ويمكن صياغة ذلك بما يلي..

الواقع الفاسد / طليعة ثورية / بتفجير مراحل الثورة – التحرير الطليعة الثورية – تنظيم ذو صفات خاصة / استراتيجية جديدة تأتي بها.

فالثورة هي إذن ايجاد الطريق الصحيح لهدم الواقع الفاسد وفتح الطريق لبناء واقع جديد ولذلك فإن الذين يصنعون الثورات هم (رجال الثورة) أما الذين استطاعوا أن يدرسوا الواقع الفاسد المليء بالتناقضات الثانوية والأساسية واستطاعوا عن طربق البحث والتفكير وما يتمتعون به من تجربة خلاقة أن يمسكوا بالتناقض الأساسي وفهمه وبالتالي يعرفون كيفية التغلب عليه.

الصهيونية تؤمن بأن اليهود يشكلون وحدة دينية سياسية وأن عليهم جميعاً أن يجتمعوا في فلسطين ليسيطروا من هناك على آسيا وافريقيا وبناء حضارة يهودية تقوم على حوالي عشرة ملايين يهودي ويعيشون في المنطقة وآخرون ينتشرون في العالم.

إن أكبر مشكلة تعترض الصهيونية في تحقيق أغراضها هي: إقناع يهود العالم بإمكان قيام دولة إسرائيل الراسخة البنيان القادرة على الإستمرار: إن ميلاد إسرائيل كان يعني وضع فكرة الصهيونية أمام يهود العالم على المحك وإذا ما نجحت التجربة ارتبط جميع يهود العالم بها وإلا فإنها ستعتبر تجربة فاشلة وستفقد حينئذ (الدولة التجربة) أهم عنصر مكون لعناصر بقائها: عنصر الدعم اليهودي العالمي الذي يجري وراءه دعم دول المجتمع الرأسمالي.

حتى عام 1965 عام انطلاق العاصفة البطلة استطاعت (الدولة التجربة) أن تحقق عدة انتصارات خدمتها كثيراً في إظهار أفكارها الصهيونية وفي نجاح تجربتها فاستطاعت:-

1- أن ترفع عدد سكانها من 600 ألف سنة عام 1948 إلى (2 مليون) نسمة عام 1966.

إن هذا الإزدياد بعدد السكان البالغ أربعة أضعاف لهو أعظم وأخطر انتصار حققته الصهيونية لأنه الدليل على أن التيار الصهيوني بدأ يرسخ أقدامه داخل يهود العالم. كما أن الزيادة السكانية وخاصة عند (الدولة التجربة) يعني قوة اقتصادية. فالدولة التجربة عندها قدرة مادية واسعة لإقامة مشاريع صناعية, خاصة وأن أمريكا قد أعطت ضمانات مالية لتلك المشاريع.

ثانياً:- نظرة على الإستراتيجية العربية:-

بنت الدول العربية استراتيجيتها كالتالي:

هناك ما يسمى بمعركة الوضع التالي. معركة الإسترداد – تقول الدول العربية – يجب أن تكون حرباً خاطفة تقرر خلال أيام بل خلال ساعات, يتمكن الإستعمار من التدخل ولذلك فإن معركة الإسترداد لا يمكن خوضها إلا إذا توفرت الشروط التالية:

  1. قوى عسكرية نظامية ضاربة سريعة الحركة.
  2. ايجاد دولة الطوق المحيطة بإسرائيل لتشكل السوار المدبب حول المعصم ليدميه وينهيه.
  3. بناء كل من الإنسان العربي والصناعة العربية العاملان المشكلان للطاقة الذاتية للحرب النظامية.

4. الأمور الثلاثة السابقة الذكر لا يمكن توفرها إلا على المدى البعيد وفي ظل بعض الظروف الدولية التي ترقبها واستغلالها ولذلك فإن الدول العربية كانت دائماً تخطط على أنها لا تخوض مع إسرائيل معركة الإسترداد وإنما معركة الوضع الراهن, إن منطق معركة الوضع الراهن انعكس في الإستراتيجية اليومية للدول العربية التي يمكن صياغتها كما يلي:

خط الهدنة دفاعي ثابت نحن نطور خلفه قوتنا وليفعل العدو خلفه ما يريد ولن نسمح بتغيير الوضع الراهن ولا يجر خط الهدنة لصالح العدو.

فمكتب مقاطعة إسرائيل مثلا هو تصرف دفاعي محض نقوم به خلف خطوطنا ومشكلة تحويل نهر الأردن انعكست به الإستراتيجية هذه. فاليهود يحولون خلف خطوطهم ونحن خلف خطوطنا أي تصرف دفاعي محض وفي المنطق المذكورة يكون المنطلق هو الخط الدفاعي الثابت.

من أجل القدرة على الحفاظ على خط الهدنة كخط دفاعي ثابت تطور الدول العربية خلفه قوتها, كان لا بد من استخدام وسيلتين عسكرية ووسيلة دبلوماسية:

الوسيلة العسكرية: وكان هدفها خلق قوة عسكرية رادعة هدفها ردع العدو عن القيام بأي هجوم هدفه تحقيق أي مكسب استراتيجي عسكري أو اقتصادي وذلك عن طريق التلميح بالأسلحة الفتاكة بحيث يكون التلويح باستخدامها كافياً لردع العدو دون استخدام تلك الأسلحة.

ومن هنا رأينا المنطقة العربية تتحول إلى ترسانة سلاح بحيث أن الدول العربية أنفقت على التسليح أضعاف ما أنفقت على الصناعة.

الوسيلة الدبلوماسية: انسجاماً مع منطق الخط الدفاعي الثابت وايجاد القوة العسكرية الرادعة عملت الدول العربية على كسب الإتحاد السوفياتي إلى جانبها. إذن يمكننا أن نلخص الإستراتيجية العربية بما يلي:

(كان هدف الإستراتيجية العربية طيلة السنوات الماضية هو المحافظة على الوضع الراهن أو محاولة تغيير الوضع الراهن بالمصلحة العربية) ووسيلتها لتحقيق هدفها هو خلق القوة العسكرية لردع الصهيونيين وكسب روسيا لردع الولايات المتحدة الأمريكية.

بنت الدول العربية استراتيجيتها على الصورة السابقة إلا أن النتائج كانت واقعاً فاسداً كله هزيمة وخذلان.

ما هي مظاهر هذا الواقع الفاسد الذي قادتنا إليه الإستراتيجية العربية؟

  1. الإنتصارات المذهلة التي حققتها إسرائيل علينا والمذكورة في مطلع هذا البحث.

2. فاجأنا العدو بأن قوته قد تطورت مع الزمن ومع خلق الخط الدفاعي الثابت بحيث أصبحنا نحن عاجزين عن التصرف خلف خطوطنا كما نشاء وإذا بإسرائيل تضرب منشآت التحويل داخل الأراضي السورية وخلف خطوط الهدنة وتعلن أمام كل العالم بأنها سوف تفعل ذلك كلما رأت ضرورة لذلك بل ذهب عملاؤها فأغرقوا سفينة محملة بالآت التحويل في ميناء بيروت بل وأكثر من ذلك فإسرائيل كانت تخترق الخط الدفاعي الثابت طيلة السنوات الماضية فدخلت قلقيلية ونحالين وقبية واخترقت الحدود عام 1956 و 1965 وبلغ عدد الذين قتلتهم إسرائيل منذ قيامها أربعين ألف عربي.

لقد استطاعت إسرائيل تحقيق الإنتصارات المذهلة السابقة الذكر لأن استراتيجيتها كانت تعتمد دائماً على الهجوم وبعد الإعتراف بحرمة خط الهدنة كخط دفاعي ثابت إلا إذا كانت الأمور تتطور خلف الخط لمصلحتها وبشكل لا يهدد أمنها.

 

3. استطاعت إسرائيل أن تتسلم زمام المبادرة في كل مضمار بحيث أصبحت في الفترة الأخيرة المعركة بين العرب وإسرائيل هي المعركة للحيلولة بين إسرائيل وبين تغيير الوضع الراهن لمصلحتها بحيث أن إسرائيل هي في وضع المهاجم دائماً ونحن في وضع المدافع دائماً.

لنأخذ مثلاً على ذلك القنبلة الذرية الإسرائيلية فإسرائيل طورت سلاحها الذري حتى وصلت إلى أبواب إنتاجه وعندما ثار العرب عليها متأخرين عشرة أعوام كما هي العادة ظهرت البراعة الدبلوماسية الإسرائيلية لتحقيق المكاسب فهي تقول للعالم بأنها على استعداد لعدم متابعة إنتاج السلاح الذري على أن تضمن لها أمريكا سلامتها وذلك لتغطية القرارات في خططها الدفاعية وخاصة في الطيران والدبابات. فحصلت بذلك على صواريخ هوك المضادة للطائرات وعلى مفاعل ذري لإزالة ملوحة مياه البحر وعلى 265 دبابة باتون 48 وعلى 150 طائرة سكاي هوك والتي تنطلق من حاملة الطائرات أي لا تحتاج إلى الإنطلاق من مطارات ذات الممر الطويل الأمر الذي يساعدها على الهبوط والصعود بمطارات سرية صغيرة.

إسرائيل إذن  تحصل على مساعدات جبارة بلا مقابل إلا ابطائها في إنتاج السلاح الذري فقط.

4. إن الطرح التقليدي لتحرير فلسطين على أساس الحرب الكلاسيكية القائمة بالإنتظار حتى يتم التفوق على العدو بالسلاح له أبعاد خطيرة على القضية العربية نفسها والمتمثلة في:-

 

  • التسليم بالوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة لأن إسرائيل ليست وحدها والقوى الإستعمارية كفيلة بمدها بأحدث الأسلحة بحيث تبقيها دائماً متفوقة بالسلاح.
  • هذا المنطق يؤدي إلى إيقاف التطور الإقتصادي والإجتماعي للأمة العربية لأن رصد المبالغ الهائلة من الأموال لشراء وتكديس الأسلحة في المخازن والإنتظار ومن شراء غيرها بفعل التقدم العلمي وفي مجال التسليح والإنتظار ثانية من جديد على أمل التفوق بالسلاح الذي لم يتم, هذا المنطق جعل الجيش محرقة تأكل اليابس والأخضر.

 

5. فكرة الحرب الخاطفة جعلت المواطن العربي يشعر أنه لا دور له في المعركة طالما أن الحرب ستكون حرباً مفاجئة خاطفة وسريعة القرار لتسحق إسرائيل في غضون أسبوع وهكذا فقدنا آخر ميزة استراتيجية لنا وهي عامل التفوق البشري وظلت الجماهير العربية كما مهملاً بالنسبة للعدو ولا يحتاج أن يحسب لها حساب في المعركة, واستطاع العدو بالتالي أن يجمع قوى توازن قوانا العسكرية.

 

وثورة حتى النصر