الجلسة السابعة

لماذا أنا فتح – البرنامج الثاني

الطلائع الثورية  

 

2- الطلائع الثورية

الواقع الفاسد يحرك دائماً إمكانات وقوى ثورية, والثورة على الواقع الفاسد تأتي دائماً من الإنسان الثائر الذي لا يرضى الواقع السيء الذي يعيش فيه ويتمرد عليه ويعمل من داخله لقلبه إلى واقع آخر يختلف عنه, والشرط الأساسي لتحدي الواقع ولقيام ثورة هو وجود الطليعة الثورية والتي تتميز بأنها تخضع لعقل منظم يضبط جهودها, ويؤطرها ويحشدها في تخطيط عام يسوده الوعي.

فالطليعة الثورية يمكن التعرف عليها من خلال ناحيتين:-

1- تنظيمها يتصف بصفات خاصة .

2- استراتيجيتها دائما جديدة .

 

الصفات التنظيمية للطلائع الثورية:-

قلنا أن الطلائع الثورية هي نماذج إنسانية معينة تفاعلت مع الواقع الفاسد الذي تعيش فيه فتمردت عليه لتقلبه من داخله إلى آخر. الطلائع الثورية إذن هي (قيادة شعب أخذت على عاتقها مهمة شاقة وغير عادية, مؤثرة في سير التاريخ الإنساني, وكثيراً ما يرتبط عملهم بعهد حضاري جديد يبدأ بانتهاء قلبهم للواقع الفاسد هؤلاء لا بد من توفر صفات أساسية بهم يتوقف عليها نجاحهم أو فشلهم.

ولا يجوز لنا ان ننسى أن كثيراً من المخلصين يفشلون وأنها لحقيقة مؤلمة يعلمنا إياها الواقع والتجربة وهي أن عدد المخلصين الذين يتوصلون لتحقيق أهدافهم قليل جداً ويعلمنا التاريخ بأن هناك اتجاهات أساسية وصفات رئيسية تجمع بين جميع الطلائع الثورية التي صنعت تاريخاً وغيرت مجرى أحداث. فما هي الصفات التنظيمية للطلائع الثورية التي أكدت ذاتها وفرضت نتائج ثابتة سواء في الجزائر وكوبا أو فيتنام أو الثورة الصينية:

1- النواة الصالحة: إن استقراء جميع الأعمال الثورية يؤكد لنا حقيقة ثابتة وهي أن نقطة البدء في خلق الأداة الثورية دائماً هي نواة ثورية تتمثل فيها روح العمل الجديد ومثالية ومتوثبة, فالنواة الصالحة أو الخلية الأولى شرط أساسي لبداية العمل وكان السؤال الهام هو كيف نميز النواة الصالحة أو الأخرى غير الصالحة.

النواة الصالحة تبدأ بتحسس صلاحها عندما يصبح عملها أن تكشف عن نفسها بتفجير الثورة, فالنواة لأي تنظيم مهما اتسعت كوادرها التي أنشأتها تبقى نواة عاجزة عاقرة ما لم تفجر الثورة. إذن نستطيع أن نضع المقياس الذي نميز بواسطته بين الطليعة الثورية والطليعة العاجزة وهو (الطليعة الثورية حقاً تصنع الثورة).

إن أي تكتل يستطيع أن يصنع مشروع ثورة على الورق وفي عقول أعضائه ولكن تنظيم الطلائع الثورية فقط هو القادر على أن يطور مشروع الثورة إلى واقع ثورة. فمن خلال الحرب الثورية المسلحة فقط يمكن تحديد هوية الثوري, والتمييز بين الثوري الحقيقي والثوري الخيالي.

حتى لا تتمكن الطليعة من صنع ثورة فإن نواتها الصالحة لا بد أن تتصف بما يلي:-

أ- الرؤيا الواضحة:

الرؤيا الواضحة تعني القدرة على تحليل الواقع واستنتاج خط سير الأحداث وتطورها أي الفهم العميق للظروف الواقعية والدوافع الكامنة وراء الأحداث والقدرة على تحليل التناقضات والتمييز بين التناقض الرئيسي للإمساك به والتناقضات الثانوية وتركها.

عندما تكون الطليعة ثوية حقاً فإن هذا يتجلى بديمومة تطور الثورة تطوراً متصاعداً مطابقاً لنظرية العمل الثورية واستراتيجيتها المرسومتين قبل تفجير الثورة.

إن أهم الطلائع الفاشلة هو عدم وضوح رؤياها والذي ينعكس بكثرة تغييرها لشعاراتها ولأساليبها أو بكثرة اعترافها بأن فترة ماضية من حياتها ضاعت هباء وكانت خاطئة.

الطليعة الثورية للحزب الشيوعي الصيني مثلاً استطاعت أن تفجر الثورة هناك وأن تنجح في تحقيق أهدافها بينما الحزب الشيوعي في البلاد العربية لم يستطع أن يحقق أي انتصار بالرغم من ايمان الطرفين بنفس الأفكار. السبب هو بدون شك أن الطليعة الثورية في الصين كانت نواتها صالحة قادرة على التوالد وعلى النمو والتطور ومن ثم على استقطاب الجماهير والإستمرار في الثورة.

بينما نواة الحزب الشيوعي العربي كان وضوح الرؤيا عندها مفقوداً ولم تدرك أن الخطر الصهيوني والمطامع التوسعية لها هي التناقض الرئيسي الأساسي الذي يجب تجمع الناس حوله لخوض معركة التحرير من الإستعمار مع تجميع جميع التناقضات الأخرى.

حركة القوميين العرب مثلاً بدأت عملها على أساس (أخوان فلسطين عام 1952) ورفعت شعار (وحدة, حرية, ثأر) ففي كسب تأييد الجماهير غيرت شعاراتها فأصبحت (وحدة, حرية, اشتراكية, تحرير فلسطين) ثم شكلت أخيراً شباب الثأر هذه الذبذبة والتحول المستمر وعدم القدرة على تحقيق ما ترفع من شعارات يدل على عدم وضوح الرؤيا عند طليعتهم.

إن الحركة التي تفقد وضوح الرؤيا كالأعمى المطلوب منه أن يسير في طريق وعر ويستدل على هدفه بمهارة. إن عدم وضوح الرؤيا يؤدي بالضرورة وبالتأكيد إلى عجز القيادة عن تسيير الأحداث أو أن تمسك بها وإنما تلهث دائماً ورائها.

إذن الطليعة التي تفجر الثورة تملك حتماً رؤيا واضحة, والطليعة التي لا تملك رؤيا واضحة يستحيل عليها أن تفرض واقعاً جديداً, وأن تثبت على خطها واستراتيجيتها وآرائها.

إن المنظمات الفلسطينية المصابة بمرض عدم وضوح الرؤيا يشكل وجودها خطراً كبيراً على المشكلة الفلسطينية … لماذا؟

التنظيمات الفاشلة ينشأ فيها مع الزمن نفسه قيادة محترفة سياسياً, ولذلك فهي عندما تفشل تتحول القيادة إلى فئة من الإنتهازيين والوصوليين في سبيل المحافظة على وجودها في الساحة, وفي سبيل محافظة القياديين على مصالحهم الناتجة عن احترافهم في سبيل ذلك كله يساومون في سبيل البقاء في الساحة. الإنتهازية والوصولية مرضان خطيران من أهم أسباب نشوئهما عدم وضوح الرؤيا.

ب. النمو العضوي والزمن الملازم:

إن علينا دائماً أن نميز بين الحزب وحركات التحرر الوطنية فالحزب عبارة عن تكتل لمجموعة من الأفراد يجتمعون حول عقيدة معينة لها نظرة إلى ما قبل الحالة وإلى ما بعدها, هذه النظرة تفرض عليهم أسلوب حياة معين يحدد نظام اقتصادي واجتماعي معين, فجماعة الأخوان المسلمين والشيوعيين والبعثيين والإتحاد الإشتراكي مثلاً هم أحزاب لكل منهم نظرة خاصة إلى الخالق وإلى علاقة الناس ببعضهم ولتفسيرهم لعلاقة الإنسان بالإنتاج … الخ.

حركات التحرر الوطنية عبارة عن تكتل مجموعة من الأفراد لا يلتقون حول عقيدة معينة وإنما يجتمعون حول هدف مرحلي هو تحرير وطنهم من الإستعمار والصهيونية, ولذلك فإن الرغبة في تحرير الأرض في الواقع لها مادة التماسك – الغراء – الذي يفرض على الجميع أن يتنازلوا عن كل شيء إلى حد الوقوف إلى جانب الخصم العقائدي جنباً إلى جنب في سبيل تحرير الأرض المغتصبة.

العقيدة هدفها تحرير الأإنسان وحرب التحرير هدفها تحري الأرض وبالتالي ترفض وجود تنازع فكري واتجاهات متعددة في مراحل هدمها للواقع الفاسد واجتثاثه.

إذن نتعرف على حركات التحرر بأن يتم اللقاء بينها وبين الشباب الفلسطيني المسلح بين العديد من الإتجاهات السياسية والعقائدية بشكل إرادي وواعي من جهة, وبين من لم يمارسوا أي عمل حزبي سابق من جهة أخرى.والمقصود (بشكل إرادي وواعي) هو أن الحزبيين قد انسلخوا عن أحزابهم لأنهم يتمتعون بالقدرة على الرؤيا الواضحة, فأدركوا أن أحزابهم تسير بطريق مسدود لا يؤدي إلى التحرير, فانسلخوا عن الحزب بمحض إرادتهم وعن وعي وليس تحت ضغط أو في سبيل الكسب والتآمر. وهنا لا بد من أن نلاحظ اللقاء الإرادي الواعي هو شرط لا بد منه للبدء ولكن استمرار هذا اللقاء استمرار لا يتعرض إلى نكسات, يتوقف على مقدار التجانس الذي سيتولد مع الزمن بين أعضاء حركات التحرر. إنه من المستحيل أن تصبح الطلائعية الثورية متجانسة في أسلوب تفكيرها وعملها إلا من خلال:-

  • الزمن الكافي للنمو العضوي نمواً طبيعياً من جهة ولكسب التجربة من جهة أخرى أمر لا بد من توفره لتحقيق الإنسجام داخل صفوف الحركة وبين القيادة الثورية وقاعدة التنظيم, إنه لا يمكننا القول بأن التنظيم الذي لم يأخذ الوقت الكافي للنمو والتطور, واللقاء الإرادي الواعي هو تنظيم لا يمكن أن يتحمل أعباء الثورة أو حتى الوصول إلى مرحلة النضج الثوري.
  • إن التجربة العملية وممارسة الثورة هما العاملان الرئيسيان اللذان لا بد من توفرهما لصهر كافة الإتجاهات في بوتقة الثورة المسلحة, ولذلك فإن تفجير الثورة السائر دائماً بتطور صاعد لا يؤدي فقط إلى إلحاق الهزائم بالعدو وإنما يعطي حتماً قوة تطهير ذات الثورة, لأن الثورة تكمن فيها قوة جبارة تستطيع حركة فتح التي أخذت حتى الآن أحد عشر عاماً من الزمن, كانت كافية لصهر الإتجاهات وخلق تجانسها كما أنها فجرت الثورة التي خلصتها من الضعفاء وكشفت الجيد والسيء والبطل والجبان, أما جميع التنظيمات الأخرى فإنها لم تستطيع أن تصل إلى مرحلة الثورة ولذلك لم يتضح بعد مقدار صمودهم وصلابتهم وقدرتهم على العمل وعلى إقناع قواعدهم بالثورة الشعبية المسلحة.

الإرادة الثورية:-

الطليعةالثورية الناتجة عن النواة الصالحة هدفها تحويل الواقع الفاسد إلى واقع جديد جيد, وهذا لا يتم إلا إذا كانت الطليعة الثورية تملك إرادة ثورية, فما هي مظاهر الإرادة الثورية:

1. ثورة انقلابية تعلن عن ذاتها بتسجيل سلسلة من الإنتصارات ضد العدو وضد كل استراتيجية سمحت للعدو بامتهان أمرنا وإزالة كياننا.

2. الإرادة الثورية تؤمن دائماً بقوة شعبها والقوة الكامنة فيه, ولذلك فهي ليست بالعصفور الذي يفقد الإيمان بذاته وجناحيه أمام الأفعى حتى تأكله, وإنما واثقة تماماً بأن الشعب قوة خلاقة ولذلك فهي تكسب دائماً تأييد الشعوب وتستطيع أن تحركهم.

ج. السرية: إن العمل الفلسطيني هو في الواقع عملية تمرد وتحدي واسعة للإستراتيجية العربية, وللأسباب الدفاعية التي تعالج بها الدول العربية مشكلة فلسطين.

إن التحرك الفلسطيني الشعبي يهدف إلى رسم خط تحريري للجماهير العربية لا يتفق ورغبة الدول العربية الأمر الذي يفرض على التنظيم أن تكون كوادره وخاصة العسكرية سرية للغاية حتى لا يتمكن من ضرب مركز ثقل العمل الفلسطيني وبذلك يقضي عليه.

د. القوة الذاتيه: إن التنظيم الذي أخذ على عاتقه فرض استراتيجية ثورية جديدة على الدول العربية بل تحدي جميع القوى المضادة للثورة لا يمكنه أن ينتظر المساعدة منها وخاصة في أول مراحل الإنطلاق.

إن القوة الرئيسية للثورة لا تكمن في المساعدات التي تتلقاها من هنا, وإنما تكمن في المقام الأول في الطاقة الذاتية التي تولد بفضل العمل الثوري الدائب الذي لا يسمع به الناس إلا بعد نموه وتعاظمه, فالثورة الجزائرية لم تنشأ في البداية بفضل المساعدات ولكنها نشأت بفضل الروح الثورية القومية وبقدرة قيادتها على خلق الطاقة الذاتية لها. الثورة الجزائرية بعد ولادتها واستمرارها لم تطلب المساعدة بمعنى الطلب بل فرضت هذه المساعدة فرضاً لأنه كلما كانت المصادر الذاتية والكامنة للتنظيم الثوري قوية واسعة كلما كانت قدرته على فرض الحلول الجذرية والذهاب إلى أبعد الحدود في تحقيق الإنتصار أكثر وأعمق.

 

استراتيجية الطلائع الثورية

لما كانت الطلائع الثورية عبارة عن نماذج إنسانية تفاعلت مع الواقع العربي فانسلخت عن مساوئه وانبرت بوعي منها تعمل على استبدال هذا الواقع بواقع آخر يختلف عنه اختلافاً جذرياً في قيمه ومناقبه, فالطلائع الثوريه المتمردة على الواقع السيء يجب أن تقدم فكراً جديداً ومنهجاً جديداً وأسلوباً جديداً وتقييماً جديداً للواقع العربي.

الشيء الجديد الذي أتت به “فتح” والجديد هو أهم مبررات وجودها يمكن عرضه من خلال المنطلقات الخمس الآتية:

1- الثورة الشعبية المسلحة طويلة الأمد هي طريق التحرير.

2- تحرير فلسطين طريق الوحدة العربية.

3- الوحدة الوطنية بديل للحزبية.

4- فلسطين قضية عربية.

5- الإعتماد على النفس.

وسنناقشها بالتفصيل في البرنامج القادم.